الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

281

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الخلق من شأنه أن يقع بصيغة الخبر لما في الخبر من قصد إعلام السامع بما يضمره المتكلم ، ولذلك كان معنى صيغ العقود إنشاء بلفظ الخبر . ثمّ حملهم شهادة له بأنه بريء من شركائهم مبادرة بإنكار المنكر وإن كان ذلك قد أتوا به استطرادا ، فلذلك كان تعرّضه لإبطاله كالاعتراض بين جملة إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وجملة فَإِنْ تَوَلَّوْا [ هود : 57 ] بناء على أن جملة فَإِنْ تَوَلَّوْا إلى آخرها من كلام هود - عليه السّلام - ، وسيأتي . ومعنى إشهاده فيراد من شركائهم تحقيق ذلك وأنه لا يتردّد على أمر جازم قد أوجبه المشهود عليه على نفسه . وأتى في إشهادهم بصيغة الأمر لأنه أراد مزاجة إنشاء الإشهاد دون رائحة معنى الإخبار . و ( ما ) في قوله : مِمَّا تُشْرِكُونَ موصولة . والعائد محذوف . والتقدير : مما يشركونه . وما صدق الموصول الأصنام ، كما دل عليه ضمير الجمع المؤكّد في قوله : فَكِيدُونِي جَمِيعاً . ولما كانت البراءة من الشركاء تقتضي اعتقاد عجزها عن إلحاق إضرار به فرع على البراءة جملة فَكِيدُونِي جَمِيعاً . وجعل الخطاب لقومه لئلا يكون خطابه لما لا يعقل ولا يسمع ، فأمر قومه بأن يكيدوه . وأدخل في ضمير الكائدين أصنامهم مجاراة لاعتقادهم واستقصاء لتعجيزهم ، أي أنتم وأصنامكم ، كما دل عليه التفريع على البراءة من أصنامهم . والأمر ب ( كيدوني ) مستعمل في الإباحة كناية عن التعجيز بالنسبة للأصنام وبالنسبة لقومه ، كقوله تعالى : فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ [ المرسلات : 39 ] . وهذا إبطال لقولهم : إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ . و ثُمَّ للتراخي الرتبيّ ؛ تحدّاهم بأن يكيدوه ثم ارتقى في رتبة التعجيز والاحتقار فنهاهم عن التأخير بكيدهم إياه ، وذلك نهاية الاستخفاف بأصنامهم وبهم وكناية عن كونهم لا يصلون إلى ذلك . وجملة إِنِّي تَوَكَّلْتُ تعليل لمضمون فَكِيدُونِي وهو التعجيز والاحتقار . يعني : أنه واثق بعجزهم عن كيده لأنه متوكل على اللّه ، فهذا معنى ديني قديم . وأجري على اسم الجلالة صفة الربوبية استدلالا على صحة التوكل عليه في دفع ضرهم عنه ، لأنه مالكهم جميعا يدفع ظلم بعضهم بعضا . وجملة ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها في محل صفة لاسم الجلالة ، أو حال